الرئيسية / نمط حياة / علاقات مريضة .. !
علاقات مريضة

علاقات مريضة .. !

ما هو سر العلاقات الناجحة ..؟! علاقات مريضة

هل هو امتلاك الفرد لمهارات التواصل الجيد ..الفهم العميق .. التقبل للآخر كيفما كان .. القدرة على العطاء .. الصبر.. الحلم .. الرغبة الصادقة في استمرار العلاقة .. التوافق النفسي والتقارب الفكري..الهدف المشترك .. الرسالة المشتركة , والهم الواحد ..؟؟!!

فن بناء العلاقات الناجحة أضحى علما يدرّس في معاهد وجامعات العالم المتقدم..صار هدفا للباحثين في مجالات التطور البشري..تصدّرعناوين أكثر الكتب مبيعا في العالم ..أفردت له مراكز التنمية البشرية مساحة كبيرة من برامجها ..!!

هو فن حيوي , أعطته مناهج العلوم الإدارية أهمية أولية ؛ حتى أنه أصبح معلوما للجميع بأن مهارة التواصل الجيد والقدرة على بناء علاقات ناجحة من أهم متطلبات الموظف المتميز ..!

التواصل في العلاقة الزوجية :

وفي مجال الإرشاد الأسري يحرص المرشدون والمدربون الأسريون على تمكين الزوجين من هذه المهارة ؛ لكي يسهل عليهم صياغة علاقة زوجية ناجحة دائمة وسعيدة ..

في بداية كل برنامج تأهيلي أقدمه للزوجين أستهل الدورة بتمرير استبيان قصير على الحضور عن ” ما أكثر شيء يقلقك في العلاقة الزوجية…؟ ”

فوجدت شبه إجماع _ من مئات الأشخاص الذين دربتهم _ على أن ” عدم الفهم ” هو أكثر شيء يقلقهم في العلاقة ..!!

ومن خلال تجربتي التي تقارب العقد من الزمن في التدريب والإرشاد الأسري وجدت بأن عدم الفهم هو بالفعل العلة الأشد أثرا في تهديد ؛ بل وإفساد وتقويض العلاقة الزوجية ؛ لكن المدهش حقا , والذي يرفض معظمهم القبول به هو أن عدم تحديدنا لأولويات حاجاتنا من الزواج هو السبب الحقيقي لضعف قدرتنا على فهم الآخر , وفهم أبعاد المشاكل الزوجية التي تستجد فيما بعد بيننا وبين شريك الحياة ..!!

لماذا يعرض أزواج كثر مشاكلهم الزوجية على المرشد الأسري ثم لا تحدث الاستشارة الأثر المطلوب منها ؟

فالمشاكل لا تحل .. المعاناة لا تتبدد..ولاتزول الحواجز بين الزوجين .. لماذا  يبقى الحال في الغالب كما هو عليه قبل الاستشارة ..؟!!

الأسباب الخفية :

ثمة أسباب عديدة تصوغ هذا الموقف , وتخلق هذه النتيجة السلبية  ؛ أهمها وأشهرها أن الزوج ” هو أو هي ” يخشى من تحمل تبعات وأعباء تصحيح , أو علاج العلاقة المريضة التي يعيشها مع شريك حياته ..ترعبه فكرة المواجهة الصادقة مع ذاته ومع الآخر ..لا يملك الشجاعة الكافية للاعتراف بدوره الحيوي في إعلال العلاقة ..ببساطة لا يريد دفع فاتورة العلاج الناجع ..!

ثمة فئة واسعة من طالبي الاستشارة تكفيهم جلسة البوح التي تزيح عنهم بعض العبء , وتذهب بأعراض الوجع أوتخدر مواطنه ..تخفف الضغط النفسي الذي يؤرقهم , وربما تشعرهم بأنهم أبرياء , ومسالمون , وطيبون , أو تؤكد لهم اعتقادهم بأنهم ضحايا للطرف الآخر ..!

وفئة ثانية يكفيهم من هذه الجلسة نجاحهم في جعل المستشار يراهم بصورة  أشخاص كرماء النفس والأخلاق ؛ مثاليون لصبرهم على شريك حياتهم .. يشبعون حبهم للظهور بصورة الشخص النبيل المتسامح المتسامي فوق وجعه.. ينصرفون من أمام المستشار و أنفسهم تردد همسا يدغدغ الأنا :

” سأترفع وأصبر , وأجري على  الله ” !!

وثمة من يتخذ من الاستشارة وسيلة لتنفيس الغضب الذي يحمله تجاه الآخر .. بعدها يعود ليلمس من جديد إحساس الحب القديم تجاه شريكه في العلاقة , والذي قد دفن لزمن تحت ركام المشاكل اليومية ..!

هل هذا يكفي ؟!

هل تتماثل العلاقة المريضة للشفاء ..هل تم استئصال العلة التي تنخر في عمق العلاقة ..هل يحدث التآلف المرجو.. التواصل المشبع ..هل تنتهي المشاكل , ويتوقف الألم ..؟؟؟!

قد يفوز البعض بقليل من الحب والرضا لبعض الوقت بعد هكذا نوع من الاستشارات ؛ لكنها ليست سوى سعادة مؤقتة ..وهي ليست بالحل الدائم والجذري للقضية ؛ إنه شيء عارض , وسرعان ما يعود الحال لما كان عليه , وهنا يقول الزوج” هو أو هي ”  الذي حصل على الاستشارة :

” لا فائدة ..إنه قدري ..حظي ..” !!

حالات مستعصية :

قابلت لمرات عدة من تستشيرني في علاقة زوجية مريضة منذ أكثر من عشرين عاما , وما إن تسمعني أقول لها :

أنت ملومة .. لك دور رئيسي في خلق هذا الوضع الغير لائق إنسانيا .. تسببت دون أن تشعري بتعقيد الموقف .. عليك فعل كذا وكذا لتحسين الوضع , وإعانة الطرف الثاني كي يدرك فداحة الأمر وأبعاد الموقف , وأخذ زمام المبادرة لمشاركتك في علاج علاقتكما المريضة ..!

فما أن أنهي كلامي حتى أراها تنكمش ثم تتوارى مذعورة من مجرد سماع الوصفة التي أعطيتها إياها , وتنهي الاستشارة .. تغيّب طويلا , وأنا كلي يقين بأنها لن تعود إلي من جديد..!!

تثوير الثقافة الأسرية …

العلاقات الزوجية المريضة تتكاثر في بيوتنا مثل عفن على فطر .. بيوتنا صارت بيوتا طاردة .. الألم يتعمق .. ظهرت سلوكيات غير مسؤلة .. نتج أبناء غير أسوياء .. زاد معدل الخيانات الزوجية ..تفشت العلاقات المحرمة .. الإدمان على النت .. وأمور كثيرة مؤلمة مخجلة أفرزتها هذه الـ علاقات الزوجية الـ مريضة ..!

يجب علينا أن نقوم بثورة إرشادية عظمى ؛ لتصحح مسار الإرشاد الأسري .. يتحتم على المهتمين بهذا الجانب الحساس من حياتنا بذل مزيد من الجهود  لتثوير الثقافة الأسرية .. نحتاج لإحداث إنقلاب كبير في مفاهيم كانت تعطى كحلول للمشاكل الأسرية , ولعلاج مشاكلنا الزوجية , أثبتت الأيام بأنها ليست ذات جدوى ؛ لأنها قائمة على الصبر الغير إيجابي ..!

الله جل وعلا عندما مدح المؤمنين الصابرين قال سبحانه وتعالى :

” وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ” فقدم التواصي بالحق على التواصي بالصبر !!

ومن هنا نفهم بأن الصبر الذي يضيع الحقوق بين طرفي العلاقة , هو صبر سلبي مذموم !

إن شفاء أوجاع العلاقة الزوجية يكون بمعالجات عميقة وجادة ؛ كفيلة بردم الهوة بين طرفي العلاقة , وإحداث التقارب الصادق بين الزوجين .

يجب أن نفعل ذلك وبإخلاص ليس فقط لرفع العناء والشقاء عن كاهل الأزواج في الـ علاقات الـ مريضة ؛ ولكن أيضا لضمان بقاء تماسك المجتمع , وللحفاظ على قيم العفة والالتزام , ومن أجل بناء بيوت آمنة تضمن لنا صناعة جيل مبادر قوي متزن شجاع ..!

اترك رد