الرئيسية / نمط حياة / الشخصية المتضخمة الذات
الشخصية المتضخمة الذات

الشخصية المتضخمة الذات

مصطلح تضخم الذات يعتبر مصطلحا حديثا نوعا ما ؛ وهو وصف دقيق  للشخصية التي تغلب عليها الأنا , وتسعى لتحجيم الآخر وتقليص نفوذه  وسلبه إرادته من أجل فرض سيطرتها عليه وتسييره كيفما تشاء , وهذا نمط من البشر موجود منذ الأزل وضرره على من يحيط به قد يصل إلى درجة ممارسة العنف الشديد ؛ بغية التحكم الكامل وبسط الهيمنة على كل ما حوله ! الشخصية المتضخمة الذات

عودة إلى البدايات :

كيف يصبح الشخص متضخم الذات ؟!

تضخم الذات لا ينتج عن خلل في التفكير , أو بسبب مكانة الشخص الرفيعة  في المجتمع , أو بسبب الثراء أو الوسامة أو الشهرة ؛ فهي ليست من العلل الشخصية التي تظهر فجأة دون أن  يكون لها جذور عميقة في تاريخ الإنسان الشخصي ؛ بل إن بداية تضخم الذات تكون منذ الطفولة المبكرة جدا , حين يتربى الطفل بأسلوب التدليل الزائد ..نرى أمه ترفعه على الدوام بين ساعديها الساعات الطوال لكيلا يبكي ؛ حتى وإن كان بكاؤه دون أيّ سبب !

تدلله وتغدق عليه بالعطاء المعنوي والمادي , وتتخمه بالغذاء حتى وإن لم يكن بحاجة لمزيد منه !

إن تعثر بشيء ما أو كسره تلقي باللائمة على ذلك الشيء , وتطبطب على طفلها موحية له بأنه ليس المخطئ ولا ذنب له فيما حدث ؛ وإنما ذلك الجماد هو المخطئ لأنه اعترض طريقه !!

وعندما يكبر قليلا ويتنمر فيضرب رفاق اللعب تضحك ملئ فيها رضا بما يفعل , وقد يسانده الأب مشجعا له على هذا السلوك العنيف

وكهذا تتم صياغة الشخصية المتضخمة الذات منذ نعومة أظفارها !!

سلوك الشخصية المتضخمة الذات في العلاقة الزوجية :

عندما يتزوج هذا الشخص فإنه ينتظر من زوجته أن تعامله كما كان يفعل أبويه , ويتوقع منها أن تسد مكانهما في تدليله والتغافل عن أخطائه والعفو عن تقصيره ؛ بل ويطالبها بالرضا التام عن أنانيته , وتقديسه وشكره لمجرد أنه تزوج بها وجعلها تحمل اسمه ..هو يقول لها بلسان الحال والمقال :

ألا يكفي بأني فضلتك على جميع النساء ؟!

سلوكه العام :

الشخص المتضخم الذات لا يقبل النقد بأي حال من الأحوال , ويزدري كل من يحاول تقييم أعماله سلبا وإيجابا ؛ لأنه لا يرى القصور في سلوكه وفيما ينتج , هو في نظر نفسه الأكثر ذكاء والأشد فهما والأعمق تفكيرا ..فمن ذا الذي يمكنه نقده أو تقييمه ؟! 

إنه يقول بينه وبين نفسه : ماذا يمكنهم أن يضيفوا على ما أفعل أو أقول ؟!

وهو عنيد متصلب الرأي , وإن أدرك بأنه قد أخطأ بحق أحد ؛ فهو لن يعتذر مطلقا حتى وإن خسر الكثير بسبب ذلك !

أزمة المتضخم الذات الخفية :

هو يعيش في عزلة نفسية عن الآخرين الذين يكتشفون تضخم ذاته منذ الوهلة الأولى , فيضعون بينهم وبينه حواجز شتى , ويرفعون دونه سدودا تحميهم من عنجهيته وغروره ؛ حتى وإن كانوا زوجته وأبنائه ؛ فهو يعيش بينهم ممتلئا بشعور الوحدة والإقصاء النفسي , هو لا يجيد اصطناع الأصدقاء , وإن فعل فهو لا يمكنه الاحتفاظ بهم لزمن طويل , كما أن الشخص المتضخم الذات يعاني في الغالب من هشاشة داخلية تحرمه لذة الشعور بالأمان ..

إنه فزع لدرجة الهلع من أن يكتشف الآخرون هذه الهشاشة فيسحقونه تحت أقدامهم ..

وهو يعيش بإيمان أن الغلبة للأقوى , وأن القوة تكمن في السطوة والنفوذ , ولا يمكنه أن يفهم بأن ثمة قوى ناعمة يمكنه من خلالها الفوز بالكثير من المكاسب مع العيش بود ووئام مع الآخرين !

كيف نعالج المتضخم الذات ؟

ليست البلدان فحسب هي من تحتاج لترسيم الحدود بينها وبين الدول الأخرىلكي تضمن ألا تتعرض لعدوان , أو اقتطاع من مساحات نفوذها أو تنتهك حرمتها ؛ بل حتى البشر هم بحاجة لفعل شيء من هذا القبيل ؛ لكي يحموا أنفسهم من اكتساح ألمتضخمي الذات لمساحات حريتهم واستباحة حرماتهم وهدر كرامتهم ؛ لكن المشكلة تكمن في أن ليس كل الناس يعرفون كي يقفون عند حدودهم ..؟!

القضية يكتنفها بعض التعقيد :

من أعقد الأمور فهما على الذين يعانون من مشاكل تسلط متضخم الذات عليهم هي أنهم لا يدركون بأن المتضخم هذا يأتي عليه وقت يكره فيه تضخم ذاته وذلك حين يكتشف بأن سلوكه قد سبب له الشقاء وجلب له كراهية الناس له حتى أقربهم إليه ؛ إنه في قرارة نفسه في هذه اللحظة يتمنى أن يردوه عن غيه , وأن يوقفوه عند حدوده لأنه لم يتعلم منذ الطفولة كيف يقف عند حده ..؟!

والمفارقة المربكة هي أنه عندما يصل لهذه القناعة يزيد تنمرا , ويبدأ يضاعف من سلوكيات السيطرة وأساليب الترهيب ويبدأ يضغط بقوة على الطرف الثاني في العلاقة لكي يصل إلى نتيجة تمنحه التوازن ؛ وفي اللحظة التي ينهض فيها الأخر الضعيف من خنوعه ويقول له كفاك تنمرا وتسلطا قد يثور ظاهريا و يرفض هذا التغيير بل قد يقاومه بشدة ؛ لكنه سرعان ما يستسلم له , ويبدأ يدرب نفسه على احترام حقوق وحدود الأخر ..

يجب علينا إنقاذه :

إن الشخصية المتضخمة الذات شخصية تتعذب من أعماقها , وقلما تدرك لماذا هي متألمة , وهي من أكثر الشخصيات المحتاجة للمعالجة والعون من الناس القريبين منها .

وعندما تحب بصدق فسوف تتماهى فيمن تحبه , وسوف تحاول أن توصل له بسرعة رسالة أني أريد أن أصبح إنسانا أفضل ..وبالفعل قد حدث أن تخلص متضخمون كثر من هذا العيب وصاروا أشخاصا لطفاء أسوياء محبين ..وفي هذا يقول لنا نبيناصلى الله عليه وسلم ” :

أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ..

وبين لنا أن نصرنا له حال  كونه ظالما يكون بمنعه عن الظلم ..إنك تنصره على ذاته المتضخمة ..تنصره على ترسبات تربية خاطئة تلقاها من والديه ..تحرره من الأنانية , وتلينه لكي يصبح أكثر رقة وطيبة وحنانا ..تمنحه الفرصة لكي يتصالح مع ذاته ويحبها ؛ وبحبه لها يصلح من شأنها ويتعلم كيف يحب الغير ويستمتع بصحبتهم وبمحبتهم له !

 

 

اترك رد