الرئيسية / نمط حياة / الهجرة في الكون الداخلي
الهجرة في الكون الداخلي

الهجرة في الكون الداخلي

خلق الله تعالى الإنسان ليعبده من خلال القيام بأمره وتنفيذ أحكامه وفهم الحكمة المتدفقة من ثنايا منظومة الكون التي خلقها فأحسن تقديرها , ثم جعلها متداخلة ومتشابكة في أبعاد عدة ..ولقد كلف الرب الإنسان بعمران الأرض , وأمره أن يملأ أكنافها بقيم الخير والفضيلة , وأن ينشر رداء العدل على جميع سكان هذه الأرض الجميلة ؛ غير أن محنة الابتلاء أعاقت ولمرات متوالية هذه المهمة السامية عبر التاريخ .

المعيق الداخلي :

يلعب مكون ” الأنا ” الدور الأكبر في تعطيل مهمة الإنسان على الأرض ؛ وذلك حين يحصر الشخص تفكيره في ذاته ؛ فبدل أن يقوم بأمر ربه كعضو فعّال في مجتمع متعاضد نجده يركز كل جهوده في خدمة هذه الأنا , وبدلا من تقديس حكم الله تعالى وتقدير خلقه , والقيام بأدواره المتعددة التي يمتد نفعها إليهم نراه منكفئا على خدمة ذاته ورعاية مصالحه الخاصة ولو على حساب الآخرين ؛ فهو يعيش بطريقة مقيتة , مجاهرا بمبدأ :

” أنا ..ومن بعدي الطوفان ” !

الداء والدواء :

لكن الرب جل وعلا كما أنه خلق محن الابتلاء التي يختبر بها خلقه ويمحص بها الأصفياء منهم , فهو أيضا قد جعل لنا من أحكامه وسنن خلقه وقوانينه وهدي رسله ما ندافع بها هذه المحن , ونعالج بها أدواء النفس , ومن أيسر هذه القوانين قانون ” الهجرة ” !

بعث الله جل وعلا  النبي محمد ” صلى الله عليه وسلم ” رسولا للعالمين ؛ وكان من البديهي أن يتوجه النبي الجديد برسالته _ في المقام الأول _ نحو قومه , وكان حري بهم إتباعه للفوز بمقام السبق والصحبة والنصرة لهذا الدين الذي سيحكم العرب ويسود العالم ؛ لكن ثمة حكمة عظيمة حالت دون حدوث ذلك ..وجاء قانون الهجرة ليغدو عاملا هاما من عوامل التربية الذاتية ووسيلة قوية للترقي نحو معالي الأخلاق !

الهجرة في الكون الداخلي :

إن الدروس التي نتعلمها من هجرة النبي ” صلى الله عليه وسلم ” إلى المدينة كثيرة وجليلة ؛ أقتبس منها معان عظيمة قد يغفل عنه الكثيرون ؛ ألا وهي هجرة الإنسان داخل كونه الخاص ؛ كهجرته من قوقعة الذات وسلطة الأنا نحو فسحة الاندماج مع المحيط به وحب الخير للجميع , هجرة التفكير الأناني والنظرة القاصرة تجاه مقدرات الحياة نحو التفكير بمبدأ الوفرة وأن الفرص يجب أن تتاح للجميع .

هجرة تعظيم الأنا وتقديس حاجاتها نحو تقدير الذات بتوسط يكبح جماح الغرور والتكبر ويعين الشخص لاتخاذ منهج الاعتدال في إشباع حاجات النفس , هجرة أمراض القلب من رياء وحسد وحقد نحو معالي الإخلاص وتمني الفلاح للغير والتسامح والعفو , هجرة التفكير السوداوي والمتشكك الهلع نحو فضاء التفاؤل والأمل والثقة بأن الله خير حافظا وهو أرحم الراحمين ..

تأسيس دولتك الخاصة :

إن من يلهمه الله جل وعلا هذه الاستبصار التأملي سوف يجني الكثير من المكاسب , سوف يبدأ بتأسيس دولة العدل والخير والفضيلة في نفسه قبل أن يطالب ببنائها على الأرض ؛ فالرب جل وعلا يقول :

” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ”

ومضة :

بنيت دولة الإسلام بعد هجرة نبوية سبقتها سنوات من الصبر ومجاهدة النفس , وهذا يعلمنا بأن الهجرة ليست قاصرة على تنقل وحركة الجسد قبل نضوج العقل وتشبع الوجدان بقيم الخير , وامتلاء النفس بفضائل الصبر ؛  ولسوف يبني كل واحد منا دولته الخاصة عن طريق عمار كونه الداخلي بالفضائل وهجرة كل خلق وفكر رذيل ..

إنها هجرة القلوب نحو الحياة الطيبة والتي ستصبح واقعا ملموسا بعد تأسيسها في أعماق ووجدان كل فرد من المجتمع ..

اترك رد