الرئيسية / نمط حياة / التنافس ..سقوط أخلاقي مروع !
التنافس الغير شريف
التنافس الغير شريف

التنافس ..سقوط أخلاقي مروع !

يعمد الكثير من الأباء والمربين إلى غرس سلوك التنافس في نفوس الأبناء ؛ بغية تحفيزهم لمزيد من التحصيل العلمي , ودفعهم نحو التقدم في مجالات الحياة المختلفة , وذلك بحثهم على التميز والبروز على أقرانهم والتفوق عليهم بصور شتى..

ويحتجون في تبرير مسلكهم هذا على أن التنافس قيمة تربوية , وسلوك مشروع ومقبول إنسانيا ؛ لا سيما إن كان هذا التنافس لن يخرج عن حدود التنافس الشريف !

فهل التنافس في حقيقته المجردة , وتطبيقاته المعقدة شريف حقا ؟!

وهل استطعنا أن نبين للمتربي متى يكون التنافس شريفا ومتى يكون قذرا ووضيعا ؟!

التنافس في منهج السماء :

قال تعالى بعد ذكر نعيم الآخرة : 

وفي ذلك فليتنافس المتنافسونففي هذه الأية يوجد مفهوم المخالفة , وهو مفهوم يؤخذ به في التأصيل الشرعي , ومفاده في هذه الأية الكريمة  “ أن التنافس يحمد في أمور الآخرة ولا يحمد في أمور الدنيا

وأيضا قال لنا نبي الرحمةصلى الله عليه وسلم ” : 

لا يبع أحدكم فوق بيع أخيه ..ونهى أيضا أن يخطب المسلم على خطبة أخيه !

ومن هذا الإرشاد النبوي يتبين لنا بأن التنافس على الأمور الدنيوية مذموم شرعا ..

فأين هو التنافس الشريف إذن ؟!

يؤسفني أن أتسبب لكم بصدمة وأخبركم بأنه لا يوجد تنافس شريف ؛ لأن دوافع التنافس غالبا  غير شريفةو ماكان دافعه غير شريف فهو أيضا غير شريف !

إن الجيل قد تعرض لخدعة تربوية عميقة حين قيل لها بأن ثمة تنافس شريف ..

ولو أن كل إنسان زاحم , ونافس أخاه في مضمار من مضمارات الحياة التي توصل لمكسب معنوي أو مادي ؛ سأل نفسه بتجرد عن حقيقة نواياه من خوض المنافسة ثم أجاب بصدق لكانت إجابته هي :

أنا أريد هذا الفوز بقوة وأنا أحق به , ولا أتمنى أن يناله أحد غيري ..ولسوف أصاب بغم وحزن إن لم أفز به !

فأين الشرف في هذا الشعور الأناني الخالي من الإيمان ؟!

لقد أخبرنا نبي الهدى عن حقيقة المؤمن قائلاصلى الله عليه وسلم ” :

لا يؤمن  أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه !!

المنافسة أم المسابقة ؟؟!

بعد أن خلصنا إلى أنه لا وجود على وجه الحقيقة شيء اسمه منافسة شريفة ؛ فكل المنافسات تكون في الغالب غير شريفة , كما أن التنافس سلوك عدائي ,ينبثق من مشاعر الحسد والرغبة في حرمان الآخرين من الفوز , وهو سعي مسعور لنيل المنافع والاستئثار بها دون الغير ؛ لكن بما أن الحياة فيها فرص قليلة والطالبين لها كثر فلابد من وجود مسلك مناسب يسلكه الإنسان لكي يفوز بالفرصة التي هو أهل لها دون أن ينافس غيره نفسيا وكيديا , ودون أن يشعر بالحسد تجاه الآخر , ودون أن يتمنى الخسارة للآخر ؛ هذا المسلك هو مسلك المسابقة ..

فالتسابق على الخير والنجاح أمر ممدوح , وهو لا ينمي في نفس الإنسان المشاعر السلبية تجاه أخيه الإنسان , وذلك حين يتقبل الخاسر النتيجة عندما يفوز من هو أكثر أهلية لها بالفرصة بروح رياضيةكما يقالوبروح إيمانيةكما قرر النبيصلى الله عليه وسلمفي الحديث المذكور أنفا ..

التسابق شريف لأن المتسابق المؤمن لا يسعى لعرقلة أحد , أوللحيلولة دون فوزه عن طريق واسطة أو مؤامراة أو مكيدة أو بث إشاعة ضده ؛ بل هو يبذل جهده في التسابق حسب الشروط المبينة , مصطحبا نية طيبة , وتوكلا على الله تعالى , ورضا بما سيقسم له ربه .

أثار التنافس السلبية :

لقد رأينا نتائج مؤسفة لمسلك التنافس أدت بالكثيرين إلى أذية الغير , وحرمانهم من فرص هم أهل لها ؛ بل والتأمر على الناجحين والمبدعين وجعلهم دائما في مؤخرة المسيرة , وقد أدى هذا إلى ارتفاع شأن من يسعى بالكيد والحسد والواسطة لمنافسة المستحقين بطرق غير مشروعة وتسنمه لمناصب هامة ؛ فتأخرت نتيجة لذلك وتخلفت مجتماعتنا العربية عن ركب الحضارة !

حتى النخب لم تسلم من هذا السلوك العدائي في منظوماتهم العلمية والأديبة والثقافية , فقد شهدت بنفسي حدة التنافس على أمور غاية في التفاهة ؛ مثل نيل شهادة تقدير أو شهادة فوز بمسابقة شعرية جائزتهاشهادة إليكترونية “..!!

لقد أضحى التنافس محموما ؛ كنار تشتعل في هشيم مجمتع هش , وعلى كافة المستويات , وحتى في العالم الإفتراضي ؛ لذا وجب علينا قرع أجراس الخطر التي تؤذن بسقوط نخب المجتمعات العربية سقوطا أخلاقيا مروعا ..!! 

 

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: