الرئيسية / نمط حياة / ارتهان الفكر للجسد
ارتهان الفكر للجسد

ارتهان الفكر للجسد

إنها إشكالية ثقافية نخبوية , وهي ليست بالقضية العامة كما يدعي البعض , ولا تؤرق جميع نساء العرب ؛ بل يمكننا التقرير بأنها تكمن في”  توجه خاص “, يحمل رايته سرب من النساء العربيات ,  ليس من اليسير توصيفهنّ , أو بوتقتهنّ , أو وضعهنّ في إطار واحد  ؛ ولكن ثمة توافق من الجميع على أنهن يمثلنّ نخبة ظاهرة على السطح , يزعمنّ بأنهنّ رائدات النساء المثقفات في مجتمعاتنا العربية , ويحملن _ طواعية _ لواء الدفاع عن حقوق المرأة العربية ..! ارتهان الفكر للجسد

حقيقة المهمة :

للوهلة الأولى تبدو مهمتهنّ هذه من المهام النبيلة والسامية , ولها مسوغات وأسباب حقيقية وملموسة , وثمة معطيات عدة تؤكد بأن العديد من المظالم التي يتحمس هؤلاء النسوة لمناهضتها هي واقع مؤلم تعيشه نساء كثر في مجتمعاتنا العربية , في هيئة أعراف ظالمة , وسلوكيات قاسية يمارسها المجتمع الذكوري ضد المرأة ؛ حتى غدت تمثل خللا اجتماعيا وتجاوزات شرعية تستحق المثابرة لإصلاحها ؛ بل هي جور جلي لابد من إزالته …!

إلى هنا لا شيء يثير الريبة ؛ لكن الأمر الذي أثار لدي شعور بالرفض تجاه هذه الدعاوى هو تفاصيل هذه المهمة , طرف من مفردات مسوغاتها , جانب من الدفاعات التي تجابه بها مظلومية المرأة العربية ..مطالب غير مقبولة تصدح بها بعضهن عن قناعة بأنها حق مسلوب من المرأة ويجب استرداده ..!

مثل أن تقول إحداهن بأنه , ومن أجل أن تتحرر المرأة العربية , لابد في البدء أن تسترد حقها في امتلاك جسدها ..!

في الواقع استغرق مني فهم هذا المطلب وقتا طويلا .. تفكرت كثيرا في ماذا يقصدن ” بأنها يجب أن تسترد جسدها من الرجل ” ؟!

وألح سؤال عليّ : هل حقا بأن جسد المرأة ملك للرجل ..من منحه هذه الملكية .. وكيف تم تصور حدوث شيء كهذا في ذهن حاملات لواء الدعوة لتحرير جسد المرأة من تملك الرجل واستبداده به ..؟؟؟!

الشعور بالدونية إعاقة :

كم آلمني فهم مطلبهنّ هذا ..!

وكم أرقني التفكير في هذا الإحساس” بالدونية ” المسيطر على هذا الفكر النسوي المتألم , وتساءلت بمرارة :

لماذا يردن تعميم نتاج مشوه لتجارب خاصة , وألام شخصية على الفكر العام للمرأة العربية ..؟؟!

إن القول بأن جسد المرأة مستعبد ومملوك للرجل ؛ هو في حقيقة الأمر نتاج فكر جسدي , غرائزي , وهو فكر غير سوي ..!

وإن قبلنا به _ من باب الجدل _ فإن تجريد الموقف يكشف لنا بأن المرأة هي من تحصل على النصيب الوافر من ثمار التواصل الجسدي بين الرجل والمرأة ..!

هي من تنتقل من طور بدائي , لطور أكثر إبداعا ؛ فتغدو مصنعا للبشرية , وتحمل لقب ” أم ” وهي من تمنح فرصة لإعادة صياغة الرجل بين أحشائها من خلال نسخة فطرية منه ؛ تنتج مخلوقا مغايرا بعد أن تمزجه بجيناتها , وجينات أصولها ..تصبح سيدة عليه , وصاحبة اليد الطولى لوجوده , وسببا لبقائه على وجه الأرض ..!

الحرية حق مكفول :

ولا أحد يماري في أن المرأة حرة تماما في اتخاذ قرار بقائها ضمن علاقة زوجية أم لا ؛ وفي تلك اللحظة التي تقرر فيها أن ” تترهبن ” فلا تتزوج مطلقا , وتحتفظ بجسدها لنفسها فلن يقف أحد عائقا أمام تحقق رغبتها هذه ..!

لكن القضية في أذهانهن ليست هكذا ..وتوجهاتهن _ للأسف الشديد _ تخفي بين طياتها دعوة لإشاعة جسد المرأة ..إنهنّ يتحدثن بمنطق مشوش , ويعترضنّ بأن الرجل من حقه أن يلقي بجسده أينما أراد وكيفما شاء ..يتنقل به بين عدد دون حصر من النساء ؛ ويصرحنّ بذلك قائلات :

لماذا لا تنال المرأة هذا الحق أيضا , ويقبله المجتمع منها كما قبله من الرجل ..؟!!

كم هو معيب ومؤلم أن يعلق الإنسان حريته على”  مشجب ” الغريزة ..!!

ثم من قال بأن الرجل مباح له فعل ذلك على الإطلاق ..؟!

لقد أباح له الشرع أن يعدد بشروط ؛ وشرع للمرأة حق أن ترفض أن تكون ضمن منظومة علاقة زوجية تعددية ؛ فلكل زوجة الحق في قبول أو رفض أن تشترك مع أخرى على جسد زوجها ؛ فلها أن تخالعه , ومن حقها أن تصالح الزوج , وتعتزل بجسدها عنه , وتبقى زوجة صورية باتفاق معتبر بينهما كما قرر الشارع ..!

الارتقاء لفضاء الروح والتحرر من ارتهانها للجسد :

إن حرية الروح مقررة في شريعة السماء وحرية الجسد كذلك للرجل وللمرأة.. أما حرية إشاعة جسدها على عدد لا حصر له من الرجال ؛ فهذه هي العبودية والارتهان بعينه ..أو هي دعوة مضمنة للشذوذ مع ذات الجنس ” المثلية ” !!

أين الترفع والنقاء في هذا الطرح الذي تقول به نساء يعتبرن أنفسهن نماذج للمرأة المثقفة الواعية ..؟؟!

أين الحرية في استرداد جسدها من زوج شرعي , شريك واحد , علاقة سوية , تبادل حميمي طاهر , ثم منحه لكل رجل ..أو لنساء دون حصر أو لعشيق أو عشيقة …؟؟! ارتهان الفكر للجسد

انتكاس في الفطرة :

عندما تنتكس الفطرة يتشوه الفكر , وعندما يكتظ القلب بسواد الحقد على الرجل بسبب تجربة سيئة مع أب , أو أخ , أو زوج متسلط , ينضح اللسان والقلم بطرح أسود ؛ يقبّح المواقف ويشوه العلاقات السوية ..!

إن الرغبة في الانتقام من التقاليد الظالمة دفع بالكثيرات لتبني هذه الدعوة , والمجاهرة بها ؛ لكنني على يقين بأن معظم من يناصرهن لم يفهمن أبعادها , ولم يدركن مدى خطورة وقبح تداعياتها ..ولا أتوقع مطلقا أن يقبلن أن يعشنها واقعا يحكم حياتهنّ ؛ وكلي يقين بأنه إن حدث وجربت إحداهنّ ذلك ؛ فسوف تدرك مدى فظاعة ما وصلت إليه ..سوف تثقل روحها الرذيلة المغلفة بدعوى من حضارة غرائزية عفنة ..!

واقع المرأة في الغرب :

عندما أشاهد فيلما أو مسلسلا غربيا , وأرى نساء وفتيات الغرب لا هم لإحداهن سوى الفوز برجل تضاجعه مرة أو مرتين ..وهي قد تباهي رفيقاتها بكثرة معاشرتها للرجال ..وأراهم ينظرون في ذلك المجتمع للمرأة المتحفظة باشمئزاز , ويكيلون على مسامعها نصائح بوجوب معاشرة أحدهم ؛ بل بفعل الكثير وتقديم الكثير في سبيل الفوز به , ولو على قارعة الطريق , أو بين ردهات السوبر ماركت ..!

كلما أرى تكرر مثل هذه المشاهد في جميع الأعمال الدرامية الغربية أشكر الله تعالى لأننا لم نصل لهذا المستوى البوهيمي في بلادنا العربية …!

وكم أتمنى أن تتاح لي فرصة لإجراء بحث , أستقصي فيه مدى تفشي هذا السلوك في المجتمع الغربي ؟!

إذ لو كان ذلك هو حقيقة حالهن فكم هن مقهورات , ومستعبدات …!!

لقد خدعهن الرجل الغربي , وجعل منهن أداة متعة متاحة في كل زمان ومكان ..صرن شيئا مبتذلا ..أجسادا مستهلكة ..أرواحا مشتتة ..ثم عندما يثور ويغضب منها لأتفه سبب ينعتها ب ” الساقطة ” !!

لقد أسقطها عن عرش عفتها ثم عيّرها ..!

هذه الحالة المزرية المشينة لا تريد المرأة العربية الكريمة النفس أن تصل إليها مطلقا ؛ لأنها ليست حرية للمرأة ؛ بل هي الارتهان الكامل للرجل وللغريزة .. إنها العبودية في أقبح صورها ..!! ارتهان الفكر للجسد

اترك رد